مصطفى لطفي المنفلوطي

الحجاب (1)

 

ذهب فلان إلى أوروبا وما ننكر من أمره شيئا فلبث فيها بضع سنين ، ثم عاد وما بقي مما كنا نعرف منه شيء . ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت الليلة الماطرة ، وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو و يستريح إلى العذر و عاد بقلب ملففٍ مخولٍ لا يفارقه السخط على الأرض وساكنيها و النقمة على السماء و خالقها، ذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل نفيس فوقها، وعاد بنفس ذهّابة نزاعة لا ترى شيئا فوقها و لا تلقي نظرة واحة على ما تحتها، ذهب برأس مملوءة حكما ورأيا، وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملؤها إلا الهواء المتردد، وذهب وما على وجه الأرض أحب إليه من دينه ووطنه وعاد وما على وجهها اصغر في عينيه منهما.

 

وكنت أرى أن هذه الصورة الغربية التي يتراءى فيها هؤلاء الضعاف من الفتيان العائدين من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرّغة على أجسامهم إفراغا لا تلبث أن تطلع عليه شمس المشرق حتى تتصل وتتطاير ذراتها في أجواء السماء، وان مكان المدينة الغربية من نفوسهم مكان الوجه من المرأة إذا انحرف عنها زال خياله منها.

 

فلم اشأ أن أفارق ذلك الصديق ولبسته على علاته وفاء بعهده السابق ورجاء لغده المنتظر ، محتملا في سبيل ذلك من حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره ما لا طاقة لمثلي باحتمال مثله. حتى جاءني ذات ليله بداهية الدواهي ومصيبة المصائب، فكانت آخر عهدي به.

 

دخلت عليه فرايته واجما مكتئبا فحييته فأومأ لي بالتحية إيماء، فسألته ما باله فقال : مازلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص منه، ولا ادري مصير أمري فيه.

قلت: وأي امرأة تريد ؟

قال تلك التي يسميها الناس زوجتي، وأسميها الصخرة العاتية في طريق مطالبي وآمالي.

قلت: إنك كثير الآمال يا سيدي، فعن أي آمالك تحدث؟

قال: ليس لي في الحياة إلا أمل واحد، هو أن أغمض عيني ثم افتحهما، فلا أرى برقعا على وجه امرأة في هذه البلد.

قلت: ذلك مالا تملكه ولا رأي لك فيه.

قال : إن كثير من الناس يرون في الحجاب رأيي ، ويتمنون في أمره ما أتمنى ولا يحول بينهم وبين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن  إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهن إلى بعض إلا العجز و الضعف و الهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاولوا الإقدام على أمر جديد.

فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العاديّ القديم الذي وقف سداً دون سعادة الأمة وارتقائها دهرا طويلا، وان يتم على يدي ما لم يتم على يد احد غيري من دعاة الحرية وأشياعها.

فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرته وأعظمته، وخيل إليها أنني جئتها بإحدى النكبات العظام والرزايا الجسام وزعمت أنها إن برزت لرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياء منهن وخجلا . ولا خجل هناك ولا حياء لكنه الموت والجمود و الذل الذي ضربه الله على هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن و خمرهن حتى يأتيهن الموت فينتقلن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة.

فلا بد لي أن ابلغ أمنيتي و أن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجا ينتهي بإحدى الحسنيين , إما بكسره او بشفائه…

 

 

 

 

 

يتبع …….

فراشي والوان..

 

يغمرك الحب

ويسلبك أسلحتك..

و يلون وجهك بالبراءة و يعطر أنفاسك بالسرور..

ويلف قيد من حرير حول عنقك ويديك وساقك..

ويسوقك إلى لوحة بيضاء ..

ويعطيك ألوانا وفراشي وأقلام رصاص..

 ويهمس في أذنك بسحر.. ارسم .. حياتك غدا .. يوم أن تلقى محبوب ..

فتطفق ترسم الألوان التي تحب أنت ..

و الإشكال التي تبهرك أنت ..

وتضاريس الأرض التي تعرفها قدماك أنت..

وكل ما تريده أنت وتراه أنت وتحدده أنت..

وأنت وأنت .. وحدك..

 

ترسم وترسم حتى لا تطيب أذنيك إلا لصرير أقلامك و رفرفة فراشيك ..

وترسم حتى تحتل عينيك الزاهي من الألوان .. لا اسود ولا رمادي..

 

ثم تهرول إلى الحبيب ..

والقيد في يديك وقدميك ..

وتضع اللوحة الباهية بين يديه ..

فتدهشه تلك الألوان الجديدة وتبهره ..

ويبهره قيد الحرير فيلف طواعية به يديه وساقيه ..

ويقبض بسرور على الفراشي والأقلام

وينثر رتوشه على لوحتك ..

ثم يكحل عينه بالألوان ..

 

ثم تغمركما سكره فتعمهون …

ثم تأتي الفكرة ..

فتسحون ..

عمر الحب

 

 

 

 عمر الحب

 

في ربوع الخضرة وعلى أنغام رقرقة النوافير

كانا يسيران معا

كتفا بكتف

ومن بين ازدحام التجاعيد

تطل على وجهيهما ابتسامة

تعاند الدهر وتحارب الشيب.

 

كانا يرنوان إلى البعد

يحلقان ببصريهما   إلى السماء

يطاردان ذكرياتهما الجميلة القديمة

أيام الطفولة .. والدراسة والحب

والزواج.. و الأولاد.. والأحفاد

 

ومن روعة عبق الماضي

تتطاير ضحكة

وتزحف تنهيدة مذيلة ببقايا أسف

وحتى الخجل كان مشتركا في محفل الذكريات هذا..

جلسا..

وهي تحيط بكلتا ذراعيها ذراعه

….ذراعه التي كم أعطت وكم أعانت..

ثم صدحا بأغنية قديمة

بالكاد أتماها وختماها بضحكة نقيه حزينة

ثم عادا يمشيان ..

وكل منهما عكازا للآخر ..

 

 

ترى كم عمرهما .. ؟

وكم من العمر كان لهما..؟

بل كم من العمر استبقيا.. ؟

وكم من العمر أعطيا…؟

جميل أن يكون الحب عمرنا كله.

 

 

 

 

 

 

بني فضول

يموت حبيب .. فجأة .. في حادثة قاسية .. او سرعة مذهله ..

او يذبل اما عينيك ببطئ شديد مقيت حاد تحز شفرته وريدك  يوم اثر يوم  حتى تتهاوى آخر اوراقه…

او يموت حبيب ويخنق موته امل طال انتظار حياتك له في وهلة تتخالط فيها الزغاريد بالنحيب..

او يموت حبيب فيخطف موته الحياة من يديك.. و ساقك وذراعيك وعينيك ولسانك..

او يموت حبيب .. فيلتف الناس حولك .. هذا يحتضنك .. وهذا يربت على كتفك.. وهذا بيد يمسح دمعه وبيد يمسح دمعك وانت وسط كل هذا وحيدا تلفكك وحشة .. ويذر الحزن في عينيك خوف ..

 

يموت حبيب .. فيسارع بني فضول الى غرس سهام تساؤلاتهم المسمومة..  كيف مات … فلان .. وينسون انه كان حبيب .. فتنبت في قلب المسائل شوكه .. وتتوالا سهام ورماح و سيوف بني فضول .. فيكتض قلب المسائل بالشوك..

 

وآآآآآآه حين يسرد المسائل قصة موت الحبيب لبني فظول .. 

حينها تزحف كتلت الشوك التي انبتتها تساؤلاتهم من القلب صعودا الى اللسان ..

وآآآآآه من زخم الالم ..

وآآآآه من بني فضول..

 

اللهم الهمنا الصبر و السلوان..

حماقة قلب..

ليت شعري ..

مالذي يجيش في صدري حينما اراه..

ولماذا يطيب له الجلوس الي..؟

ولماذا يطيب لي التجول بين دماثة خلقه وعمق حكمته..

وبين رجاحة فكره والعب من فريد تجاربه..؟

ولماذا يطيب له الافضاء الي بما يحيك في صدره ولواعج خواطره..

 

و لماذا حين تجمعنا طبيعة عملنا نخوض في الجة الفكر و الروح…

و يغيب عن اذهاننا طبيعة ما يجمعنا..

 

لماذا حينما – أخيرا- تشرب عقلي و أدركت روحي حقيقة الحب لم أجد سوى..

عقل.. وقلب .. وروح..  احبهم انا فقط ..؟؟!!

 

والهفي عليك يا قلبي المكلوم المحروم..

فأول حب لك مات زارعه فاحترقت..

 

وها هو ذا حب آخر يطرق بابك وحده.. !!

ترى.. ؟؟

أسيطرق زارعه بابك .. ؟؟

أم أنك أيضا ستحترق.. ؟؟

 

 

(( حماقة أيها البعيد القريب حب قلبي لك.. ولكن قلبي الأحمق يحبك ))

 

نداء..

زوجي العزيز..

رضيت بك زوجا لاني .. رايت في عينيك صدق الرجال وانت تبوح لي بحبك..

رضيت بك زوجا لاني ..

رضيت بك زوجا لانك لم تكتفي بفتحي ابواب قلبي و التنعم بفتات الحب وسكرة الغرام ..

رضيت بك زوجا لانك لم تهن ولم تيأس حينما رفضوك اهلي ورفضوك ورفضوك..

رضيت بك زوجا لانك لم تتخذ قلبي حصنا وحبي دراعا ولا عشقي لك وسيلة تنتصر بها على اهلي..

رضيت بك زوجا لأنك اخترتني ملكة لمملكتك لا جارية ولا سريه..

ولأنك رجلا في زمن كثر ذكوره وندر رجاله..

ورضيت بك زوجا لاني لم ارى في عالم الرجال رجل محب مثلك..

وتزوجنا..

كان ذلك في يوم ذكرى ميلادي..

وكانت حياتك التي وضعتها بين يدي هديتي تلك الليلة.. مازلت اذكر تلك الكلمات وعينك المليئة بالحب و الدموع تعانق نظراتي .. “انت حياتي.. وحياتي هديتي اليك..فاحفظيني و حافظي علي .. اعدك باني لن اسمح لغبار الوظيفة ان يعفر قدميك او يلطخ يديك.. فلم تخلقي الا لتكوني ملكة .. و انت مليكة روحي ومملكتي..”

تزوجنا وقد دفعت كل ما تملك  لإتمام زواجنا..

وابيت بشدة ان اسكن مؤقتا في بيت اهلك.. “فكيف يكون لملكة شريك في الملك..”

 ولم يترك اهلي لك سوىالفتات من راتبك .. ولم تكن تملك سوى شهادة ثانويه.. ولم تضن علي بطلب قط..

ولم اطلب منك سوى حبك..

 

وجاء طفلنا الاول ..وزادت اعبائك .. وابت رجولتك ان اشاركك في حمل جزء من عبئك العظيم على الرغم من توسلي والحاحي..

وطفقت تدرس.. وتعمل نهار وليلا..

وتكدح و تصارع الدنيا بيدك ورجليك وحتى برموش عينيك” من اجلي ان لا يعفر قدمي غبار الوظيفة او يلطخ يدي ..”

ولا تعود الى دنياي الا وقد سلبتك تلك الدنيا روحك ورمتك الي جسدا  .. جمادا.. آله ..

فاخمد لهفتي وحنيني .. و اصم اذني واطعم قلبي الصبر.. و اصرخ في روحي لا تجزعي.. فكل هذا من اجلي .. “من اجل ان لا يعفر قدمي غبار الوظيفة او يلطخ يداي..”

وتزايد الاطفال وطفقت انا اعتني ببناء صغاري وتسليحهم بكل ما يلزمهم من علم وادب ووعي ..

وطفقت انت تصارع الدنيا وتجني النجاح تلو النجاح..

ومع كل نجاح كنت تسارع كالطفل الصغير باخباري .. ثم تجلب لي هدية حتى امتلأت خزائني..  او  تاخذنا في رحلة حتى كدنا نلف العالم..

وها نحن اليوم … !!

بل.. وها انت اليوم تقف على ابواب الدكتوراه..

وهاهم ابنائنا اليوم يملاؤون الجدران و المكان بشهادات التقدير و الاوسمة ..

وها أنا ذي اقف مرتدية اثواب القوة وتيجان الناجاح ..

و ها أنا ذي ابيت في حضن الوحشة و التحف بالوحدة ..

وها هم ذئاب الدنيا ينشدون تحت شباكي اناشيد الحب و الدفء و الامان…..

بت اسال نفسي يا زوجي العزيز.

اما زلت تفعل  هذا حتى لا تتعفر قدمي بغبار الوظيفة او تلطخ يدي ..؟؟؟؟

اكل هذا حقا من اجلي والاولاد …

ام ان الدنيا قد مارست سحرها عليك وحولت حربك عليها الى لعبة ادمنتها.. ووقعت في عشق جوائزها ..

زوجي العزيز..

ان مملكتك تستصرخك..

ان مليكتك .. تستصرخك..

ان الدنيا قد غفرتني بالتراب..

إنتصار..

أرغموني على الزواج من فتاة اختارتها أمي و أخواتي بينما كان قلبي معلق بفلانه كنت لا أرى في النساء امرأة سواها كنت أحبها وأغدق عليها من قلبي وجيبي الملآن.

وعندما صارحتها بأمر زواجي تفهمت موفقي وطبطبت على ضعفي ووعدتني بأنها لن تكون لسواي بعد أن أقسمت لها باني لا أقوى على بعدها.

وأعلنت على زوجتي الحرب.. أخبرتها منذ الوهلة الأولى باني لم أتصور أن تكون زوجة لي واني لن أكون في يوم من الأيام زوجا لها.. وأنها كأي قطعة أو أداة امتلكها .. مجرد اسم جديد في قائمة ممتلكاتي .. صارحتها بأن فلانة تملك روحي ، واني آجلا أو عاجلا سأطلقها وهرعت إلى الهاتف على مرأى و مسمع منها أناجي فلانة و أبثها لهفي و أمنياتي و أسفي على زواجي .

تهاوت عروسي على الأرض من الذهول والألم في يم من الدموع و النحيب يغرقها .. شعرت حينها بنشوة غريبة .. شعرت حينها بالنصر.. وتماديت في انتصاري.. أرضيت غروري.

في صباح اليوم التالي أيقظتني عروسي برقة وهدوء وقابلت عيني بابتسامة عريضة وأناقة فريدة وبادرتني .. صباح الخير .. الناس في انتظارك لتهنئتك .! ففغرت فاهي .. فركت عيني ونفضت راسي لعلي أكون حالما .. تساءلت ما لذي يجري؟!!

جررت قدمي نحو الحمام لأجد الماء الدافئ وكل ما احتاج بين يدي واصلت تمثيليتي  وجدت ملابسي مبخرة مهندمة وقدمتها زوجتي لي بيديها وتلك الابتسامة الغريبة تشتعل في عيني كلما نظرت إليها.

رن هاتفي فإذا بها تسبقني إليه    .. جاءت به إلي وهي تقول إنها فلانة تفضل .. أخذت الهاتف من يدها و الحيرة تأكل عقلي تساءلت أتراها مجنونة ..؟ أم أنها اضعف من أن تواجهني .. كم أعجبتني هذه الفكرة نعم إنها أضعف من أن تواجهني .

كانت زوجتي مثالا رائعا لأخلاقيات الزوجة .. تهتم بي بكل تفاصيلي من دوم أن تضايقني  تحي وتجل أمي وتقدر أخواتي كان كل بيتنا يحبها إلا أنا . كانت كلما تفانت في خدمتها لي ازداد إذلالا لها فانا اكره الهزيمة.

وتمر الأيام وزوجتي في تفانيها وأنا في عليائي. بيد أن فلانة بدأت تبحث عن أي شرارة توقد بها نيران الشجار بيننا .. وتفاقمت النار لتحرق كل شيء .. أصبت بحيرة شديدة  إلى أن جاءني اليقين ، فلقد لاح لفلانة هامور جديد يفوق محيط ثرائه بحاري .. رباه.. كم كنت غبيا .. جريت وراء وهم استنزفني وأنا املك حقيقة تدور في فلكي .. يا لغبائي .. يا لخجلي من نفسي .. كيف لم أر .. ؟؟ لهذا الحد أعماني غروري .!!

 

 

 

اجتاحني الم كبير وشعور عميق بالندم ظلمت زوجتي من دون ذنب اقترفته آذيتها وهي لي محسنة أهنتها وهي لي مكرمة ذللتها وهي لي ولأهلي معزة جرحتها ورفعت واعززت من لا تفهم ولا تستحق العزة.. يا لندمي ..

عقدت العزم على أن ارمي ما مضى وراء ظهري و أن ابدأ مع زوجتي الكريمة حياة جديدة أعلن فيها على الملأ غلطتي وندمي .. اعتذر لزوجتي و اقسم لها على الولاء و الإكرام .. والطاعة و قلبي يحدثني بأن إنسانة في قوة صبرها وتحملها لا بد وأن يتسع صدرها لمسامحتي كما اتسع لحماقاتي..

وفي يوم إعلان التوبة ذاك ، وأمام الملأ ، وقفت زوجتي إمامي بعد أن انتهيت من سرد بحار الندم و الاعتذار .. وقفت أمامي .. قرأت في عينيها نظرة لن أنساها ما حييت .. وقفت شامخة لامعة العينين .. اقتربت مني وبأدبها المعهود قالت : .. طلقني. 

الى من يهمه الامر..

انقذوا حديقة العاب هيلي..

في المول

المول..

عالم في عالم..

وفرصة لترى ما في هذا العالم من عجائب وغرائب..

فكل ابداع معماري تراه هناك..

وكل جديدة تراها هناك ..

وكل انذار بوجود مصيبة.. تراه هناك..

وكل متردية ونطيحة تراها هناك..

وكل حسرة في الكون تطعن قلبك هناك ..

 

ذهبت الى المول لأحتفل بالعيد..

وسعدت جدا حين رايت المكان مكتض.. فالكل هنا يحتفل بالعيد..

الا ان هذه الفرحة لم تدوم طويلا حين رايت كيف يحتفل شباب (البنات و الاولاد)هذا الوطن بالعيد..

 

كان الشباب يطوفون في المكان زمرا وهم يتضاحكون باسفاف..

وهم يرتدون ما شف وما التصق وما انشق و ما سقط وما تنصل..

والشعر على رؤوسهم ما بين منتقخ وواقف .. و مظفر وملون ..

و الوجون مابين حالق وثاقب وملطخ بالالوان..

ولسانهم يقذف الناس بالسباب و التعليقات وشيء من الغزل الاجوف.. والضحك الموجع ..

 

تركت كل شيء وطفقت انظر اليهم و اتسائل..

هؤلاء الشباب هم الدماء الجديدة التي تبث في عروق هذا الوطن ليتابعوا مسيرة البناء و العطاء..

هؤلاء الشباب هم مداد طاقة هذا الوطن ومداد استمراريته..

هؤلاء الشباب هم اباء الغد وامهات المستقبل..

هؤلاء الشباب هم حملة هذا الوطن وحمل هذا الوطن والنهوض به مسؤوليتهم..

فكيف يحمل مسؤلية الوطن من لم يعرف يوما معنى المسؤولية…

و من لا يعي بانه بسلوكه المشين هذا يسيئ ايما اساءة لسمعة هذا الوطن ..

فلقد سمعت وشاهدت من يضحك عليهم و يتضجر من سلوكهم ويستاء من مظمهرهم من الاخوة الوافدين ..

ترى حين يعود هذا الوافد الى وطنه .. كيف سيتحدث عن شباب هذا الوطن.. ؟؟

 

ومع مرور الوقت بدى الفتيات يتناقصن .. وبدأ السكون يخيم على رؤوس الشباب.. فسكنت حركتهم واكتفوا بالوقوف على الجدران ..

نظرت اليهم فإذا بالسعادة التي كانت تتقافز على ملامحهم تتبدد..

فلقد نضب الضحك..!!

و تلاشت الابتسامات..

وعلا الوجوه الحزن ..

وتكدست في العيون حيرة ..

وتململت الاجساد ملل..

جعلت انظر اليهم..

فرايت في عيني احدهم حسرة عميقة وهو ينظر الى اب و اولاده وهم يتضاحكون ويتمازحون ..

واخر ينظر بحزن الى رجل وزوجته يتحدثون ..

ثم بدؤا ينسحبون في صمت وهدوء وثقل..

بعد ان برعوا – كما يضنون – في تمثيل كل ادوار السعادة بالحرية..

ليت شعري .. اي حرية تلك.. !!

 

ترى من المسؤول عن كل هذا الخواء الذي يعيشه هؤلاء الشباب..

من المسؤول عن هروبهم و تملصهم من هوياتهم .. ثم جريهم ولهاثهم خلف تقليد الغير في اللباس و اللسان و الايماءات..

من المسؤول عن دفعهم الى التبرج و االتبهرج والابتذال و خرق كل قوانين العدات والتقاليد والاداب..

أي غضب يسكن تلك النفوس.. ؟؟

ومن المسؤول عن خواء قلوبهم..

وتشوه عقولهم..

من المسؤول عن دفعهم للإساءة الى انفسهم اولا ثم الى الناس..

من المسؤول عن كل هذا الهروب..

والى اين يهربون .. الى متى يهربون ..

ومن ما يهربون .. ومن ماذا سيهربون ايضا..

من المسؤول.

يا طيبه ..

يا طيبه .. يا طيبه.. يا دوا العيانه..

اشتقنا لك و الهوى نادانا..

والهوى نادانا ..

لست ادري لماذا كلما سمعت هذه الأنشودة البسيطة الكلمات ..

العذبة الألحان ..اغرورقت عيني بالدموع .. ثم انهمرت دافئة ..

 

في ما مضى ضننت أن شوقي لزيارة مكه هو ما يسكب دموعي..

ولكنني أدركت بعد أن عدت من زيارتها - لأول مرة في حياتي - قبل ثلاثة أيام .. أن شوقي لها بات اكبر....

و أي رهبة تعتليك وأنت تهرول مشتاقا لرؤيتها....

وأي رهبة تغشاك.. وتلجمك .. وتسيطر على كل حواسك _ حين تقع عيناك عليها لأول مرة..

الكعبه..

و أي بهاء ذاك الذي يكسوها.. وأي نور ذاك الذي تحسه يغشاك منها..

فلقد تسمرت في مكاني..

وذهلت .. وانهمرت دموعي .. واختلج صدري..وتصاغرت نفسي و ثقلت بذنوبي قدمي..

وخلت الأرض من حولي فما شعرت بشيء أو احد ..

وكأني أقف أمام الكعبة وحدي وذنوبي تقطر من يدي وفمي وعيني وأذني وكلي..

والالم في جوفي يؤججه الندم ..

الآن حصحص الحق..

ربي .. ربي .. يا عظيم .. اغفر لي..

 

كل ذلك اجتاحني في أول وهلة رأيت فيها الكعبة..

وهي ليست سوى بيت الله الحرام .. بيت الله..

فما بالي .. و على ما سيكون حالي في أول وهلة أقف فيها أمام الله..

وقد كنت في سباق مع الناس على الظفر بمغانم الدنيا..

وفي كسل .. ومماطلة..وابتعادا عن الظفر بزاد للآخرة..

وفي شغل وجد واعمل لبناء أسوار من الهم و التفكير والغرق في مشاكل الدنيا والناس قريبهم و البعيد..

على ما سيكون حالي..

وأنا لا احمل من زاد الآخرة إلا الفتات..

 

مكه..

ورؤية الكعبة فيها إفاقة وتذكير.. وعبرة لمن نسي وقفته بين يدي الله وحيدا.. يقرأ كتابه...

اللهم تقبل عمرتي.. وثبتني..

اللهم ارزقني زيارة أخرى لها..

اللهم ارزقني حسن الخاتمه.

 

 

 

 

« الإدخالات السابقة الصفحة التالية » الصفحة التالية »