05.10.09

الحجاب..

نشرت تحت تصنيف قرأت لكم .... في 1:17 م بواسطة lamareem

الحجاب (1)

 

ذهب فلان إلى أوروبا وما ننكر من أمره شيئا فلبث فيها بضع سنين ، ثم عاد وما بقي مما كنا نعرف منه شيء . ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت الليلة الماطرة ، وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو و يستريح إلى العذر و عاد بقلب ملففٍ مخولٍ لا يفارقه السخط على الأرض وساكنيها و النقمة على السماء و خالقها، ذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل نفيس فوقها، وعاد بنفس ذهّابة نزاعة لا ترى شيئا فوقها و لا تلقي نظرة واحة على ما تحتها، ذهب برأس مملوءة حكما ورأيا، وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملؤها إلا الهواء المتردد، وذهب وما على وجه الأرض أحب إليه من دينه ووطنه وعاد وما على وجهها اصغر في عينيه منهما.

 

وكنت أرى أن هذه الصورة الغربية التي يتراءى فيها هؤلاء الضعاف من الفتيان العائدين من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرّغة على أجسامهم إفراغا لا تلبث أن تطلع عليه شمس المشرق حتى تتصل وتتطاير ذراتها في أجواء السماء، وان مكان المدينة الغربية من نفوسهم مكان الوجه من المرأة إذا انحرف عنها زال خياله منها.

 

فلم اشأ أن أفارق ذلك الصديق ولبسته على علاته وفاء بعهده السابق ورجاء لغده المنتظر ، محتملا في سبيل ذلك من حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره ما لا طاقة لمثلي باحتمال مثله. حتى جاءني ذات ليله بداهية الدواهي ومصيبة المصائب، فكانت آخر عهدي به.

 

دخلت عليه فرايته واجما مكتئبا فحييته فأومأ لي بالتحية إيماء، فسألته ما باله فقال : مازلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص منه، ولا ادري مصير أمري فيه.

قلت: وأي امرأة تريد ؟

قال تلك التي يسميها الناس زوجتي، وأسميها الصخرة العاتية في طريق مطالبي وآمالي.

قلت: إنك كثير الآمال يا سيدي، فعن أي آمالك تحدث؟

قال: ليس لي في الحياة إلا أمل واحد، هو أن أغمض عيني ثم افتحهما، فلا أرى برقعا على وجه امرأة في هذه البلد.

قلت: ذلك مالا تملكه ولا رأي لك فيه.

قال : إن كثير من الناس يرون في الحجاب رأيي ، ويتمنون في أمره ما أتمنى ولا يحول بينهم وبين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن  إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهن إلى بعض إلا العجز و الضعف و الهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاولوا الإقدام على أمر جديد.

فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العاديّ القديم الذي وقف سداً دون سعادة الأمة وارتقائها دهرا طويلا، وان يتم على يدي ما لم يتم على يد احد غيري من دعاة الحرية وأشياعها.

فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرته وأعظمته، وخيل إليها أنني جئتها بإحدى النكبات العظام والرزايا الجسام وزعمت أنها إن برزت لرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياء منهن وخجلا . ولا خجل هناك ولا حياء لكنه الموت والجمود و الذل الذي ضربه الله على هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن و خمرهن حتى يأتيهن الموت فينتقلن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة.

فلا بد لي أن ابلغ أمنيتي و أن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجا ينتهي بإحدى الحسنيين , إما بكسره او بشفائه…

 

 

 

 

 لطفي المنفلوطي.

يتبع …….